صديق الحسيني القنوجي البخاري

159

فتح البيان في مقاصد القرآن

اللّه لا تطلقني واجعل يومي لعائشة ففعل ونزلت هذه الآية ، قال ابن عباس : فما اصطلحا عليه من شيء فهو جائز . وأخرج أبو داود « 1 » والحاكم وصححه والبيهقي عن عائشة أن سبب نزول الآية هو قصة سودة المذكورة ، وأخرج البخاري وغيره عنها في الآية قالت : الرجل يكون عنده المرأة ليس بمستكثر منها يريد أن يفارقها فتقول أجعلك من شأني في حلّ فنزلت هذه الآية « 2 » ، وقد ورد عن جماعة من الصحابة نحو هذا . وثبت في الصحيحين من حديث عائشة قالت : لما كبرت سودة بنت زمعة وهبت يومها لعائشة فكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم يقسم لها بيوم سودة « 3 » . وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ أي شدة البخل ، وهذا إخبار منه سبحانه بأن الشح في كل واحد منهما بل في كل الأنفس الإنسانية كائن ، وأنه جعل كأنه حاضر لها لا يغيب عنها بحال من الأحوال ، وأن ذلك بحكم الجبلّة والطبيعة فالرجل يشح بما يلزمه للمرأة من حسن العشرة وحسن النفقة ونحو ذلك ، والمرأة تشح على الرجل بحقوقها اللازمة للزوج فلا تترك له شيئا منها ، وشح الأنفس بخلها بما يلزمها أو يحسن فعله لوجه من الوجوه ، ومنه وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ الحشر : 9 ] عن ابن عباس : هواه في الشيء يحرص عليه والشح أقبح البخل وحقيقته الحرص على منع الخير . وَإِنْ تُحْسِنُوا أيها الأزواج الصحبة والعشرة وَتَتَّقُوا ما لا يجوز من النشوز والإعراض في حق المرأة فإنها أمانة عندكم ، وقيل المعنى إن تحسنوا بالإقامة معها على الكراهة وتتقوا ظلمها والجور فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً فيجازيكم اللّه يا معشر الأزواج بما تستحقّونه . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 129 ] وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً ( 129 ) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ أخبر سبحانه بنفي استطاعتهم للعدل بين النساء على الوجه الذي لا ميل فيه ألبتّة لما جبلت عليه الطباع البشرية من ميل النفس إلى هذه دون هذه ، وزيادة هذه في المحبة ونقصان هذه ، وذلك بحكم الخلقة بحيث

--> ( 1 ) كتاب النكاح باب 38 . ( 2 ) أخرجه البخاري في المظالم باب 11 ، وتفسير سورة 4 ، باب 24 . ( 3 ) أخرجه أبو داود في النكاح باب 38 ، وابن ماجة في النكاح باب 48 ، وأحمد في المسند 6 / 117 .